أخبار وطنية المعركة حضاريّة و ليست "قضية مدرسة قرآنيّة".. بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
أثارت "مدرسة شيخ افريقيا الجنوبية" بالرقاب حديثا كثيرا و حُصرت المسألة في "وضعية أطفال" و "الفحص الشرجي" بينما القضية أعمق و أشمل، جوهر المسألة هي أننا في تونس نعيش معركة حضارية بين معسكر من يريد بتونس أن تنهض، دولة ومجتمعا، و تعيش عصرها اعتمادا على ما راكمته الإنسانية جمعاء من تقدم حضاري، فكري و علمي و قيمي و تقني، و تبني على مكتسباتهاهي (على نقصها) و تستجيب لمتطلبات أغلب شعبها في "الحرية و الكرامة"، و بين معسكر الشّد الى الخلف و الذين لا يرون "صلاح الحال الا بما صلُح به الأسلاف" ، بعبارة أخرى يريدون العودة بنا لعصور التخلف بقيمها و باقتصادها و بدولتها و بخرافاتها و بجهلها.
هؤلاء على اختلاف مسمياتهم و المنتمين للاسلام السياسي (من النهضة الى كتيبة عقبة بان نافع)، يرون واجب نقض الموجود وتهديم القائم لبناء الجديد و يرون في التربية والتعليم الباب الأول الذي يجب الدخول منه لأنه منه يبنون "التونسي الجديد" الذي يرونه الأمثل ، لذاك كان قال مورو شيخ النهضة في أذن شيخ الفساد المصري وجدي غنيم "حاجتنا باولادهم".
ونصح شيخ النهضة الغنوشي السلفيين بعدما عبّر لهم عن عدم ثقته في الأمن و الجيش و القضاء و المجتمع، اي لا ثقة له في القائم أصلا، نصحهم ببعث الجمعيات و الجوامع و المدارس و حتى الكليات ، ولماذا؟ لبناء "التونسي الجديد" ، و هنا تأتي مركزية التعليم، من يقوم به؟ الدولة أوجماعة الإسلام السياسي؟
هم ينادون بحرية التعليم و هذا في برنامج الاخوان المسلمين و السلفية بانواعها منذ ظهورهم، اي بتخريب القائم للبناء عليه و تكوين أجيال جديدة على فكر السلفية من ابن تيمية مرورا بمحمد ابن عبد الوهاب و حسن البنا و سيد قطب و المودودي...
ولا يغرّنّكم خطاب التفتح و الدولة المدنية و الحداثة الذي يتردد على السنتهم فهو خطاب مراوغ وعودوا خاصة لما يمارسونه وما يقولونه في نواديهم الخاصة، غايتهم كلهم بناء دولة الخلافة، "دولة الإسلام" ، دولة الشريعة التي يحكمها "مجلس علماء الأمة" و مرشدُها و تطبق الحدود و "شرع الله" لذاك هم قاموا مثلا قومة واحدة منذ أشهرضد مقترحات لجنة "الكوليب" عندما طالبت مثلا بالمساواة في الإرث او الغاء حكم الإعدام، و لذلك هم يريدون مراجعة مجلة الأحوال الشخصية في فرض العودة لتعدد الزوجات و منع التبني لأن الرسول محمد منعه بعد الزواج من امرأة ابنه بالتبني.
وهم يريدون مدارس يربى فيها الذكور والإناث منفصلين، و يعلمونهم ان الضحك حرام وصوت المرأة عورة و الفن حرام، وان ما يلبسونه تشبه بالكفار و المسلم الصحيح يعتمد اللباس الشرعي فللرجل اللباس الأفغاني و للمرأة الحجاب و الخمار و لو هي بنيّة ذات الأربع سنوات (عودوا لما نشر من صور على المدارس القرآنية ليس فقط امارة سجنان بل في قلب العاصمة تونس).
والأخطر هو انهم يغسلون أدمغة "طلاب" مدارسهم "القرآنية" و يعلمونهم على الطاعة و القبول بكل ما يردده معلموهم و شيوخهم و لا ينمّون عندهم ملكة العقل و التفكير لأنه مدخلا للكفر، و يزرعون فيهم نفسية كره مجتمعاتهم و المجتمعات الأخرى و مركبات التعالي و التفوق على بقية الإنسانية بما أنهم يغرسون في رؤوسهم أن المسلمين "هم خير امة انزلت للناس" و ان "الاسلام هو الدين الوحيد الصحيح" و أن أعز عبادة للمسلم لطاعة الرب هو الجهاد لنشر دينه و من مات في ذلك له جنات "عدن تجري من تحتها الأنهار".
في الملخص أن تونس حاليا تعيش فعلا منعرجا تاريخيا خطيرا ، اما أن ينتصر دعاة التقدم والنهوض بالأمة و جعلها تعيش عصرها و يرفع اهلها رؤوسهم لأن وطنهم يضمن لهم الكرامة فيعتزو به ، او أن تتدحرج تونس للتخلف أكثر و يحكمها العائدون من القرون الوسطى و يشدون الخناق أكثر على مفاصل الدولة و تسلم البلاد لتجار الدين و باعة الأوطان باسم "القرآن هو الحل" و باسم "الجهاد" و محاربة أعداء الدين بالسلاح و بالقضاء و بالإعلام... هنا جوهر المعركة.